الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
333
مختصر الامثل
تلوذون بالجبل أو تنتشرون في السهل ، تاركين رسول اللَّه وحده بين المهاجمين المباغتين من المشركين وهو يدعوكم من ورائكم ويناديكم قائلًا : « إليّ عباد اللَّه - إليّ عباد اللَّه فإنّي رسول اللَّه » . وأنتم لا تلتفتون إلى الوراء أبداً ، ولا تلبّون نداء النبي صلى الله عليه وآله . وفي ذلك الوقت أخذت الهموم والأحزان تترى عليكم « فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمّ » لِما أصابكم من النكسة ولفقدان مجموعة كبيرة من خيار فرسانكم وجنودكم ولِما بلغكم من شائعة قتل النبي صلى الله عليه وآله . ولقد كان هجوم تلك الغموم عليكم من أجل أن لا تحزنوا على ما فاتكم من غنائم الحرب ، وما أصابكم من الجراحات في ساحة المعركة في سبيل تحقيق الإنتصار « لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ » . « وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ » . فهو يعرف جيداً من ثبت منكم وأطاع وكان مجاهداً واقعياً ومن هرب وعصى . إتسمت الليلة التي تلت معركة « أحد » بالقلق والاضطراب الشديدين ، فقد كان المسلمون يتوقعون أن يعود جنود قريش الفاتحون المنتصرون إلى المدينة مرّة أخرى لاجتياح البقية الباقية من القوة الإسلامية . بيد أنّه كان هناك بين المسلمين ثلة من المجاهدين الصادقين الذين ندموا على الفرار من الميدان في « أحد » فتابوا إلى اللَّه ، واطمأنوا إلى وعود النبي الكريم صلى الله عليه وآله حول المستقبل . وإلى هذا كله يشير الكتاب العزيز في الآية الحاضرة إذ يقول : « ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ » « 1 » . ثم إنّ القرآن الكريم يعمد إلى بيان واستعراض طبيعة ما كان يدور بين أولئك المنافقين وضعاف الإيمان من أحاديث وحوار ، وما كان يدور في خلدهم من ظنون وأفكار ، إذ يقول : « يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ » . إنّهم كانوا يظنون باللَّه ما كانوا يظنونه به أيام كانوا يعيشون في الجاهلية ، وقبل أن تبزغ عليهم شمس الإسلام فقد كانوا يتصورون أنّ اللَّه سيكذبهم وعده ويظنون أنّ وعود
--> ( 1 ) « الأمنة » : أي الأمن ، والنعاس هو النوم الخفيف .